الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
93
انوار الأصول
فرق فيه بين الجهل بالصغرى والكبرى « 1 » . وقد مرّ أنّه لا إشكال في محرّكية المجهول بل الإنسان ونوع البشر يتحرّك في الصناعات والتجارات والزراعات في أكثر الموارد بالاحتمال بل قد يكون الانبعاث بمجرّد الوهم ( أي الاحتمال المرجوح ) كما إذا كان في طلب ضالّته . هذا كلّه بناءً على مبنى القوم من أنّ القاعدة عقلية ، وأمّا بناءً على ما اخترناه من أنّها عقلائيّة فلا يبعد عدم بناء العقلاء على البراءة في الشبهات الموضوعيّة خصوصاً في الموضوعات الهامّة ، فإذا قال المولى لعبده « احذر من أعدائي » مثلًا ، فمن البعيد جدّاً بناء العقلاء على قبح عقاب العبد فيما إذا لم يحذر من مشكوك العداوة ، والظاهر أنّه لا فرق في ذلك بين الدماء والفروج وغيرها . أمّا البراءة النقلية : فلا إشكال في جريانها في الشبهات الموضوعيّة لأنّه القدر المتيقّن من أكثر أدلّتها ، وأمّا تفصيل المحقّق الخراساني رحمه الله بين ما كان من قبيل العام الإفرادي والمجموعي ، فقد أورد عليه بأنّ مقتضى القاعدة جريان البراءة في كلا القسمين من كلامه ، لما سيأتي من عدم وجوب الاحتياط حتّى في الأقلّ والأكثر الارتباطيين ، ولا إشكال في رجوع القسم الثاني إلى الأقل والأكثر الارتباطيين ، والحقّ فيه الانحلال . إن قلت : إنّ الإشكال مبنائي لأنّ مبنى المحقّق الخراساني رحمه الله في الأقلّ والأكثر الارتباطيين هو الاحتياط . قلنا : سيأتي إنّه قائل بجريان البراءة الشرعيّة وإن كان حكم العقل عنده الاحتياط ، فالنتيجة النهائيّة عنده في مقام العمل هي البراءة ، وهي تخالف ما اختاره في المقام . نعم هاهنا صورة ثالثة تقتضي القاعدة الاحتياط فيها ولعلّها كانت مورد نظر المحقّق الخراساني رحمه الله وهي ما إذا كان المأمور به أمراً بسيطاً يتحقّق بإتيان مجموع التروك مقدّمة ، فيرجع الشكّ في المصداق المشكوك إلى الشكّ في المحصّل الذي لا إشكال في أنّ مقتضى الاشتغال اليقيني فيه البراءة اليقينية ، وحينئذٍ الأصل الجاري إنّما هو الاحتياط وقاعدة الاشتغال لا البراءة ( وإن كانت عبارته قاصرة عن أداء هذا المعنى ) .
--> ( 1 ) راجع أجود التقريرات : ج 2 ، ص 200 .